الشيخ محمد رشيد رضا

654

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فإنهم كلهم كانوا يعلمون أنه أمي لم يتعلم شيئا ، بل تشاوروا في شيء يقولونه ليصدوا به العرب عن القرآن فكان هذا القول منه ، وقد كذبهم اللّه تعالى فيه فما استطاعوا له اثباتا وكان النضر بن الحارث من أشدهم كفرا وعنادا ، وحرصا على صد الناس عن القرآن ، وقد روي عنه أنه هو الذي نزل فيه قوله تعالى ( 31 : 6 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً ) إذ اشترى قينة جميلة كانت تغني الناس بأخبار الأمم وغير ذلك لصرفهم عن سماع القرآن إليها وهو الذي نزلت فيه الآية التي بعد هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها وهي الدالة على منتهى الجحود والعناد على قول بعض الرواة وهذا القول الذي قاله النضر لا يدل على أنه كان يرى من نفسه القدرة على معارضة القرآن في أسلوبه أو بلاغته وتأثيره وهو من بلغاء قريش إذ لو قدر لفعل لأنه كان من أحرصهم على تكذيبه بل هو طعن في أخبار القرآن عن الرسل لتشكيك العرب فيه وصرفها عنه ، وقد حكى اللّه تعالى عنهم أنهم قالوا « افتراه » وقد يكون بعضهم اعتقد ذلك إذا كان نفي اللّه لتكذيبهم إياه خاصا ببعضهم كالوليد بن المغيرة الذي قال لأبي جهل والأخنس وغيرهما حين دعوه لتكذيبه إن محمدا لم يكن يكذب على أحد من الناس أفيكذب على اللّه ؟ وقد شمل التحدي بالقرآن هؤلاء المفترين عن اعتقاد أو غير اعتقاد إذ قال في سورة يونس ( 10 : 38 أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) أي بسورة مثله مفتراة كما صرح بالوصف في سورة هود فقال ( 11 : 13 أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ ) الخ وبينا الفرق بين هاتين الآيتين وآية سورة البقرة في التحدي عند تفسير هذه الأخيرة ( راجع ص 192 و 193 من الجزء الأول تفسير ) ولقد كان زعماء طواغيت قريش كالنضر بن الحارث هذا وأبي جهل والوليد بن المغيرة يتواصون بالاعراض عن سماع القرآن كما يمنعون الناس منه ثم يختلفون أفرادا إلى بيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليلا يستمعون اليه ويعجبون منه ومن تأثيره وسلطانه على العقول والقلوب وكان يلتقي بعضهم ببعض أحيانا فيتلاومون ويؤكد بعضهم لبعض القول بعدم العود إلى ذلك ، ومما كان من تأثير استماعهم أن قال الوليد بن المغيرة